كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)



وقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان يحتوي من العناصر ما تحتويه الأرض. فهو يتكون من الكربون، والأكسيجين، والأيدروجين، والفسفور، والكبريت، والآزوت، والكالسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، والكلور، والمغنسيوم، والحديد، والمنجنيز، والنحاس، واليود، والفلورين، والكوبالت، والزنك، والسلكون، والألمنيوم. وهذه نفسها هي العناصر المكونة للتراب. وإن اختلفت نسبها في إنسان عن الآخر، وفي الإنسان عن التراب، إلا أن أصنافها واحدة.
إلا أن هذا الذي أثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمي للنص القرآني. فقد تكون الحقيقة القرآنية تعني هذا الذي أثبته العلم، أو تعني شيئاً آخر سواه. وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة التي يتحقق بها معنى خلق الإنسان من تراب، أو طين أو صلصال.
والذي ننبه إليه بشدة هو ضرورة عدم قصر النص القرآني على كشف علمي بشري، قابل للخطأ والصواب، وقابل للتعديل والتبديل، كلما اتسعت معارف الإنسان وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة. فإن بعض المخلصين من الباحثين يسارعون إلى المطابقة بين مدلول النصوص القرآنية والكشوف العلمية- تجريبية أو افتراضية- بنية بيان ما في القرآن من إعجاز. فالقرآن معجز سواء طابقت الكشوف العلمية المتأرجحة نصوصه الثابتة أم لم تطابقها. ونصوصه أوسع مدلولاً من حصرها في نطاق تلك الكشوف القابلة دائماً للتبديل والتعديل، بل للخطأ والصواب من الأساس! وكل ما يستفاد من الكشوف العلمية في تفسير نصوص القرآن، وهو توسيع مدلولها في تصورنا كلما أطلعنا العلم على شيء مما تشير إليه إشارات مجملة من آيات الله في الأنفس والآفاق، دون أن يحمل النص القرآني على أن مدلوله هو هذا الذي كشفه العلم.
إنما جواز أن يكون هذا بعض ما يشير إليه.
فأما خلق الجان من مارج من نار. فمسألة خارجة عن حدود العلوم البشرية. والمصدر الواحد فيها هو هذا القرآن. خبر الله الصادق. الذي خلق وهو أعلم بمن خلق.. والمارج: المشتعل المتحرك كألسنة النار مع الرياح! وللجان قدرة على الحياة في هذه الأرض مع الإنس. ولكنا لا ندري كيف يعيش الجان وقبيله. فأما الأمر المستيقن فهو أنهم مخاطبون بهذا القرآن كما سبق بيانه عند تفسير قوله تعالى: {وإذ صرفنآ إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن..} وكما هو الحال هنا في سورة الرحمن.
والخطاب هنا للجن والإنس، لتذكيرهما بنعمة الوجود. كلٌّ من الأصل الذي أنشأه الله منه. وهي النعمة التي تقوم عليها سائر النعم. ومن ثم يعقب عليها بتعقيب التسجيل والإشهاد العام: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}.. ولا تكذيب في هذا المقام المشهود!
{رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان}
وهذه الإشارة التي تملأ القلب بفيض غامر من الشعور بوجود الله، حيثما توجه، وحيثما تلفت، وحيثما امتد به النظر حوله في الآفاق.. فحيث الشروق وحيث الغروب هناك الله.. ربوبيته ومشيئته وسلطانه، ونوره وتوجيهه وهدايته..
والمشرقان والمغربان قد يكون المقصود بهما شروق الشمس وشروق القمر. وغروبهما كذلك، بمناسبة ذكر الشمس والقمر فيما تقدم من آلاء الله. وقد يكون المقصود مشرقي الشمس المختلفي الموضع في الصيف والشتاء ومغربيها كذلك.
وعلى أية حال فإن ظلال هذه الإشارة هي الأولى بالالتفات. ظلال الاتجاه إلى المشرق والمغرب، والشعور بالله هناك، والإحساس بيده تحرك الكواكب والأفلاك، ورؤية نوره وربوبيته في الآفاق هنا وهناك. والرصيد الذي يؤوب به القلب من هذا التأمل والتدبر والنظر في المشارق والمغارب، والزاد الشعوري الذي تفيض به الجوانح وتذخره الأرواح.
وربوبية الله للمشرقين والمغربين، بعض آلائه في هذا الكون. ومن ثم يجيء التعقيب المعهود في السورة، بعد هذه اللفتة القصيرة: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} والمشرقان والمغربان فوق أنهما من آيات الله هما من آلاء الله على الجن والإنس، بما يتحقق فيهما من الخير لسكان هذه الأرض جميعاً. بل من أسباب الحياة التي تنشأ مع الشروق، وتحتاج كذلك إلى الغروب. ولو اختل أحدهما أو كلاهما لتعطلت أسباب الحياة..
ومن هذه السبحة البعيدة الآفاق يعود إلى الأرض، وما فيها من ماء، جعله الله بقدر. قدر في نوعه، وقدر في تصريفه، وقدر في الانتفاع به:
{مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوارِ المنشآت في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان}.
والبحران المشار إليهما هما البحر المالح والبحر العذب، ويشمل الأول البحار والمحيطات، ويشمل الثاني الأنهار. ومرج البحرين أرسلهما وتركهما يلتقيان، ولكنهما لا يبغيان، ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر، ووظيفته المقسومة، وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع الله.
وتقسيم الماء على هذا النحو في الكرة الأرضية لم يجيء مصادفة ولا جزافاً. فهو مقدر تقديراً عجيباً. الماء الملح يغمر نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ويتصل بعضه ببعض؛ ويشغل اليابس الربع. وهذا القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائماً صالحاً للحياة.
وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور- ومعظمها سام- فإن الهواء باق دون تلوث في الواقع- ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان.. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء- أي المحيط-.
ومن هذه الكتلة الضخمة الواسعة تنبعث الأبخرة تحت حرارة الشمس؛ وهي التي تعود فتسقط أمطاراً يتكون منها الماء العذب في جميع أشكاله. وأعظمها الأنهار. والتوافق بين سعة المحيط وحرارة الشمس وبرودة طبقات الجو العليا، والعوامل الفلكية الأخرى هو الذي ينشأ عنه المطر الذي تتكون منه كتلة الماء العذب.
وعلى هذا الماء العذب تقوم الحياة، من نبات وحيوان وإنسان..
وتصب جميع الأنهار- تقريباً- في البحار. هي التي تنقل إليها أملاح الأرض، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغي عليها. ومستوى سطوح الأنهار أعلى في العادة من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه، ولا يغمر مجاريها بمائه الملح، فيحولها عن وظيفتها ويبغي على طبيعتها! وبينهما دائماً هذا البرزخ من صنع الله. فلا يبغيان.
فلا عجب يذكر البحرين، وما بينهما من برزخ، في مجال الآلاء {فبأي آلاء ربكما تكذبان}.
ثم يذكر من آلاء الله في البحرين بعض ما هو قريب منهم في حياتهم.
{يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان}..
واللؤلؤ- في أصله- حيوان. ولعل اللؤلؤ أعجب ما في البحار، فهو يهبط إلى الأعماق، وهو داخل صدفة من المواد الجيرية لتقيه من الأخطار، ويختلف هذا الحيوان عن الكائنات الحية في تركيبه وطريقة معيشته، فله شبكة دقيقة كشبكة الصياد، عجيبة النسج، تكون كمصفاة تسمح بدخول الماء والهواء والغذاء إلى جوفه، وتحول بين الرمال والحصى وغيرها. وتحت الشبكة أفواه الحيوان، ولكل فم أربع شفاه، فإذا دخلت ذرة رمل، أو قطعة حصى، أو حيوان ضار عنوة إلى الصدفة، سارع الحيوان إلى إفراز مادة لزجة يغطيها بها، ثم تتجمد مكونة لؤلؤة! وعلى حسب حجم الذرة التي وصلت يختلف حجم اللؤلؤة!..
والمرجان من عجائب مخلوقات الله، يعيش في البحار على أعماق تتراوح بين خمسة أمتار وثلاث مائة متر، ويثبت نفسه بطرفه الأسفل بصخر أو عشب.
وفتحة فمه التي في أعلى جسمه، محاطة بعدد من الزوائد يستعملها في غذائه. فإذا لمست فريسة هذه الزوائد، وكثيراً ما تكون من الأحياء الدقيقة كبراغيث الماء، أصيبت بالشلل في الحال، والتصقت بها، فتنكمش الزوائد وتنحني نحو الفم، حيث تدخل الفريسة إلى الداخل بقناة ضيقة تشبه مريء الإنسان.
ويتكاثر هذا الحيوان بخروج خلايا تناسلية منه، يتم بها إخصاب البويضات، حيث يتكون الجنين الذي يلجأ إلى صخرة أو عشب يلتصق به، ويكون حياة منفردة، شأنه في ذلك شأن الحيوان الأصلي.
ومن دلائل قدرة الخالق، أن حيوان المرجان يتكاثر بطريقة أخرى هي التزرر. وتبقى الأزرار الناتجة متحدة مع الأفراد التي تزررت منها، وهكذا تتكون شجرة المرجان التي تكون ذات ساق سميكة. تأخذ في الدقة نحو الفروع التي تبلغ غاية الدقة في نهايتها. ويبلغ طول الشجرة المرجانية ثلاثين سنتيمتراً. والجزر المرجانية الحية ذات ألوان مختلفة، نراها في البحار صفراء برتقالية، أو حمراء قرنفلية، أو زرقاء زمردية، أو غبراء باهتة.
والمرجان الأحمر هو المحور الصلب المتبقي بعد فناء الأجزاء الحية من الحيوان، وتكون الهياكل الحجرية مستعمرات هائلة.
ومن هذه المستعمرات سلسلة الصخور المرجانية المعروفة باسم الحاجز المرجاني الكبير، الموجود بالشمال الشرقي لأستراليا. ويبلغ طول هذه السلسلة، ألفا و350 ميلاً وعرضها 50 ميلاً. وهي مكونة من هذه الكائنات الحية الدقيقة الحجم.
ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ حلى غالية الثمن عالية القيمة، ويمتن الله على عباده بهما، فيعقب على ذكرهما في السورة ذلك التعقيب المشهود: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}
ثم ينتقل إلى الفلك التي تجري في البحار، كأنها لضخامتها الجبال:
{وله الجوارِ المنشآت في البحر كالأعلام}..
ويجعل هذه الجواري المنشآت {له} سبحانه وتعالى. فهي تجري بقدرته. ولا يحفظها في خضم البحر وثبج الموج إلا حفظه ولا يقرها على سطحه المتماوج إلا كلاءته. فهي له سبحانه. وقد كانت- وما تزال- من أضخم النعم التي منّ الله بها على العباد، فيسرت لهم من أسباب الحياة والانتقال والرفاهية والكسب ما هو جدير بأن يذكر ولا ينكر. فهو من الضخامة والوضوح بحيث يصعب التكذيب به والإنكار.. {فبأي آلاء ربكما تكذبان}.
والآن ينتهي هذا الاستعراض في صفحة الكون المنظور، وتطوى صفحة الخلق الفاني، وتتوارى أشباح الخلائق جميعاً، ويفرغ المجال من كل حي، ويتجلى وجه الكريم الباقي، متفرداً بالبقاء، متفرداً بالجلال؛ وتستقر في الحس حقيقة البقاء، وهو يشهد ظلال الفناء:
{كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فبأي آلاء ربكما تكذبان}..
وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس، وتخشع الأصوات، وتسكن الجوارح.. وظل الفناء يشمل كل حي، ويطوي كل حركة، ويغمر آفاق السماوات والأرض.
وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح، والزمان والمكان، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار..
ولا يملك التعبير البشري أن يصور الموقف؛ ولا يملك أن يزيد شيئاً على النص القرآني، الذي يسكب في الجوانح السكون الخاشع، والجلال الغامر، والصمت الرهيب، والذي يرسم مشهد الفناء الخاوي، وسكون الموت المخيم بلا حركة، ولا نأمة في هذا الكون الذي كان حافلاً بالحركة والحياة. ويرسم في الوقت ذاته حقيقة البقاء الدائم، ويطبعها في الحس البشري لا يعرف في تجاربه صورة للبقاء الدائم؛ ولكنه يدركها بعمق في ذلك النص القرآني العجيب!
ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب. فيعد استقرار هذه الحقيقة. حقيقة الفناء لكل من عليها، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده. يعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس في معرض الآلاء: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}..
وإنها لنعمة، بل هي أساس النعم كلها جميعاً. فمن حقيقة الوجود الباقي ينبثق كل هذا الخلق؛ وناموسه ونظامه وخصائصه. كما تستقر سننه وقيمه ومآله وجزاؤه. والحي الباقي هو الذي يخلق ويبدع، وهو الذي يحفظ ويكلأ، وهو الذي يحاسب ويجزي. وهو الذي يشرف من أفق البقاء على ساحة الفناء.. فمن حقيقة البقاء إذن تنبثق جميع الآلاء. وما يبزغ هذا العالم وما يستقيم أمره إلا ووراءه هذه الحقيقة. حقيقة البقاء وراء الفناء.
ومن حقيقة البقاء الدائم وراء الخلق الفاني، تنبثق حقيقة أخرى.. فكل أبناء الفناء إنما يتجهون في كل ما يقوم بوجودهم إلى الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم:
{يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان}
يسأله من في السماوات والأرض، فهو مناط السؤال؛ وغيره لا يسأل لأنه فان لا يتعلق به سؤال.. يسألونه وهو وحده الذي يستجيب، وقاصده وحده هو الذي لا يخيب. وما يتجه احد إلى سواه إلا حين يضل عن مناط السؤال ومعقد الرجاء ومظنه الجواب. وماذا يملك الفاني للفاني وماذا يملك المحتاج للمحتاج؟
وهو سبحانه- كل يوم هو في شأن. وهذا الوجود الذي لا تعرف له حدود، كله منوط بقدره، متعلق بمشيئته، وهو قائم بتدبيره. هذا التدبير الذي يتناول الوجود كله جملة؛ ويتناول كل فرد فيه على حدة، ويتناول كل عضو وكل خلية وكل ذرة. ويعطي كل شيء خلقه، كما يعطيه وظيفته، ثم يلحظه وهو يؤدي وظيفته.
هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت وما يسقط من ورقة، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب وكل يابس. يتبع الأسماك في بحارها، والديدان في مساربها، والحشرات في مخابئها. والوحوش في أوكارها، والطيور في أعشاشها. وكل بيضة وكل فرخ. وكل جناح. وكل ريشة. وكل خلية في جسم حي.
وصاحب التدبير لا يشغله شأن عن شأن، ولا يند عن علمه ظاهر ولا خاف.
ومن هذا الشأن شأن العباد في الأرض من إنس وجن. ومن ثم فهو يواجههما بهذه النعمة مواجهة التسجيل والإشهاد: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}..
وبتقرير حقيقة البقاء وراء الفناء، وما ينبثق منها من حقيقة الاتجاه الكلي إلى الواحد الباقي، وتعلق مشيئته- سبحانه- بشئون الخلائق وتقديرها وتدبيرها، فضلاً منه ومنة على العباد..
بتقرير هذه الحقيقة الكلية وما ينبثق عنها من حقائق ينتهي الاستعراض الكوني، ومواجهة الجن والإنس به؛ ويبدأ مقطع جديد. فيه تهديد وفيه وعيد. تهديد مرعب مفزع، ووعيد مزلزل مضعضع. تمهيداً لهول القيامة الذي يطالع الثقلين في سياق السورة بعد ذاك:
{سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان}